محمد بن عبد الله الصفار
115
رحلة الصفار إلى فرنسا
أن يقيد كل ما سمع ورأى . لما قد يوجد في ذلك من العلوم والعبر ، وما حصلت جم الفوائد إلا من مخالطات البشر . ومن حكم الأولين : « ما شبعت عين من نظر ، ولا أذن من خبر » . عزمت إذ ذاك بحول الله أن أسود هذه الأوراق ، بما نراه ونسمعه في هذه السفرة وما يتعلق بها مما رق أو راق . على أني حاطب ليل وساحب ذيل ، لست من خيل هذا الميدان ، ولا لي بما يستحسن من يدان . إلا أني جعلتها تذكرة لنفسي ، لأخبر بذلك من سألني عنه من أبناء جنسي . فليعذرني أولوا الإنشاء والبلاغة ، وليسقط عني التكليف أهل الاستعارة والكناية . والله أسأل أن يستر معايبنا ويوفقنا لصالح عمل يرضاه منا . فأقول ومن الله أستمد المامول : كان خروجنا من معاهد أنسنا ومطاب عيشنا ومسقط رؤوسنا وعش أفراخنا ومثار نشاطنا وأفراحنا ، بلدتنا تطوان أبقاها الله محفوظة على توالي الأزمان ، ضحوة يوم السبت في شهر ذي الحجة الحرام ، مضت منه ثلاث عشرة ليلة متم عام أحد وستين ومايتين وألف « 1 » . وعندما زمزم الحادي بالارتحال أنشأ لسان الحال وساعده المقال فقال : أتطواننا الغراء هل يسعد الدهر * بأوبتنا كيما يعود لنا الوصل ؟ وهل يبدوا أو يدنوا محياك بعد ما * تلاطمت الأمواج ويجمع الشمل ؟ سقت ديمة هطلا ربوعك وارتوى * حمى طالما كان السباق به يحلوا فأوصيك بالأحباب خيرا وإنني * على عهدهم باق ولو نأت السبل فركبنا من البلد حتى بلغنا مرساها . وقد كان بعث لنا من نحن متوجهون إليه مركبا عظيما من مراكب النار المعروف بالبابور « 2 » ، قد انتخبه لنا من أحسن ما عنده استجلابا للألفة وحفاظا للمودة . فركبنا في فلائك صغار وسرنا حتى بلغنا ذلك
--> ( 1 ) ويوافقه بالميلادي يوم 13 دجنبر 1845 . ( 2 ) ومعناها المركب البحري ، وهي مأخوذة عن الإسبانية ( vapor ) . ابن زيدان ، العز ، 1 ، ص . 414 .